
لِمَاذَا يَمْتَحِنُنَا اللهُ تَعَالى
سؤال يدور في نفوسنا وربما نطرحه على غيرنا أو يطرحه علينا بعض السائلين إما بهدف الإستفسار والإستعلاف وإما بهدف الطعن في العدالة الإلهية والرحمة الواسعة مع أن نفس إخضاعنا لهذا الإمتحان هو عين العدالة التي لا يُظلم معها أحد.
ويمكن الجواب على هذا السؤال من عدة وجوه تكوّن بمجموعها الجواب الشافي الذي يعتبر حجة على العالم به.
الوجه الأول: وهو أن الحياة كلها بجميع تفاصيلها ومعانيها لم توجد سدى ولم تُخلَق عبثاً، وإنما وجدت من أجل أن يحقق الله بنا ولنا أهدافاً سامية وكريمة ومرضية وأول تلك الأهداف نيل الرحمة في يوم الحساب بشرط أن يطيع العبد ربه كما أمره، وأن يسير في جادة الإستقامة والإخلاص ليحقق أهدافه بنفسه ويبلغ المرام الجميل والعاقبة الحسنة، ولقد أشار الله سبحانه إلى أعظم هدف من إيجاد الإنسان في هذه الحياة حيث قال(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ولا يقصد بالعبادة هنا مجرد الصوم والصلاة والحج وإنما يقصد منها ما هو أوسع دائرة من ذلك حيث تدخل المعرفة في صلب الموضوع فتكون هي المقصد من لفظ العبادة في الآية، وقد صح إطلاق لفظ العبادة على المعرفة لكونها الباب الذي ندخل منه إلى عبادة ربنا عز وجل.
ثم ينفي القرآن الكريم وجود اللغو في إنشاء الخلق فيقول(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
ولأن جهل الإنسان في مثل هذه المسائل يحول بينه وبين فهم الحقائق الموصلة إلى الطاعة كان من الواجب عليه أن يسأل ليعلم وأن يعلم ليعمل، وهذا جزء من مكونات أصل الإمتحان الإلهي الذي فرضه علينا في هذه الدنيا.
الوجه الثاني: أن نفس طرح هذا السؤال فيه مغالطة كبرى لأنه لا مورد له في واقع الأمر حيث أن المفروض هو أن نسأل عما لو لم يكن هناك امتحان فإذا لم يكن هناك امتحان أمكن لنا أن نتساءل كيف ولماذا، بل لماذا أوجدنا الله من الأساس أرواحاً ثم نطفاً ثم سواناً خلقاً آخر.
يعني يمكن لنا أن نشعر بالنقص فيما إذا كان الهدف من إيجاد الخلق واهياً أو فيما إذا لم يكن هناك هدف من الأساس، ثم إن الجواب على هذا السؤال ظاهر بكا جلاء ووضوح لأن آيات الكتاب المنير كثرت في هذا المجال بحيث لم يبق للسائل حجة بعد تلك الأدلة والبيانات وخصوصاً أنها بيانات إلهية.
الوجه الثالث: وهو التأمل في مطلع سورة العنكبوت حيث قال تعالى:
(الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)
فهل تظن أيها الإنسان أن الله جل شأنه قد أوجدك من العدم لمجرد أن تخرج إلى الحياة لاعباً لاهياً ساهياً، وهل تدعي بأنك مؤمن بالله وأنت لم تخضع للتجربة والإمتحان ولم تترجم إيمانك عملياً على الأرض؟ ثم يزيدنا القرآن توضيحاً فيخبرنا بأن الله تعالى فتن الذين من قبلنا ليجزي المحسن على إحسانه والمسيء بإساءته، وهذا أهم جواب على السؤال المطروح.
ثم يخبرنا الله بأن الإنسان لا يسبق ربه في شيء وأن الأجل ويوم الجزاء سوف يأتي وأن النتيجة الحتمية سوف تظهر وأنه تعالى سوف يعاقب المسيء ويثيب المحسن الذي شغل نفسه في طاعة ربه.
الشيخ علي فقيه



